السيد حيدر الآملي

288

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ [ التوبة : 122 ] . ولقول الجنيد رضى اللّه عنه لمّا سئل عن النهايات : « الرجوع إلى البدايات » . وهذا هو سرّ رجوع الحاجّ من عرفات إلى منى وفيه ما فيه من الأسرار أيضا . ثمّ يرجع إلى منى عالم الكثرة الذي هو عالم المشاعر الإلهيّة والمناسك الربّانية من الأفلاك والأجرام والعناصر والمواليد ، وينظر إليهم بنظر الوحدة الحقيقيّة دون الأوّل ، ويشاهدهم على أنّهم مظاهر إلهيّة ومشاعر ربّانيّة ، والمظهر عين الظاهر والظاهر نفس المظهر ، فيشاهدهم عينا من وجه ، غيرا من وجه ، خلقا من وجه ، حقّا من وجه كما سبق ذكره من كلام العارف . ثمّ يشتغل بأداء المناسك فيه أي في منى عالم الظاهر من الرمي والذبح والحلق ، ويرمي أوّلا في جمرة العقبة التي هي الدّنيا ومتاعها سبع طبقات ، عالمها العنصريّة والطبيعيّة من المواليد رميا لا يمكن الرجوع إليها ، وهذا رمي عرفان لا رمي عيان ، أعني رمي نظر لا رمي تصرّف ، فإنّه إذا رجع من العوالم المذكورة يجب له التصرّف في الكلّ تصرّف تمليك وتحقيق . ثمّ يذبح نفسه مرّة أخرى ذبحا لا تكاد تعيش أبدا ، أي بالحياة الدنيويّة المجازيّة ، لأنّه صار حيّا بالحياة الحقيقيّة المشار إليها في قوله : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ آل عمران : 169 ] .